التجربة الدنماركية فى مواجهة البطالة / سعود كابلى

الأحد: 1 أغسطس 2010      الساعة 9:54 صباحاً
قانون النظام الدنماركى لا يحدد حدا أدنى للأجور ولا ساعات عمل ولا يوجد به عقد عمل نموذجى؛حيث يتم التفاوض بين الموظف وصاحب العمل والوصول لشروط مرضية للطرفين.

الحديث عن نجاحة برنامج السعودة لا يمكن أن يتم استيعابه أو اختزاله فى مقالة أو مقالتين نظرا لعمق المسألة المطروحة وهو ما يحتاج لدراسات معمقة ذات طابع أكاديمى ومن مراكز أبحاث متخصصة.

وإذا كانت للسعودة عدة أوجه بحاجة للنقاش والتحليل فإن هذا المقال إنما يهدف لمجرد الإشارة نحو بعض الأساسيات المتعلقة ببرنامج السعودة التى يرى كاتب هذه السطور أنها محورية لضمان نجاحه؛فالحديث عن السعودة لا بد أن يأخذ فى الحسبان المحرك الرئيس خلفه وهو ارتفاع نسب البطالة فى المملكة بين المواطنين الشباب لنسب غير مقبولة لضمان السلم الاجتماعى.

والسعودة كبرنامج من منطلق هذه الرؤية تأتى كمشروع وطنى سياسى/اقتصادى/اجتماعى ذى أبعاد متعددة،وإذا كان برنامج السعودة يعتمد فى قياس نجاحه بصورة أساسية على خفض نسب البطالة فإن استمرار الأزمة الظاهرة للبطالة فى المملكة بصورة عامة يفتح باب التساؤل حول نجاحة الآليات المستخدمة فى هذا البرنامج على المدى الطويل.

يرتكز مشروع السعودة بصورة أساسية على ركيزتين:الإحلال وخلق الفرص الوظيفية،وفى مقالين سابقين لكاتب هذه السطور بعنوان "هل تتوافق السعودة مع الإصلاح الاقتصادى" بتاريخى 12 و 19 أبريل 2009 أوضح أن محاولة خلق فرص وظيفية للسعوديين من خلال سعى المملكة لجذب الاستثمارات الخارجية أو الإصلاح الاقتصادى الذى يروم المحافظة على رؤوس الأموال من الهجرة للخارج لا يتوافق بنيويا مع السعودة التى تُفرض نسبا معينة لتوظيف السعوديين؛حيث إن حاجة المستثمر الوطنى أو الخارجى لغير السعوديين كبيرة وتصبح السعودة بالتالى إحدى العراقيل الطاردة للاستثمار فى نظرهم؛فالسعودة والإصلاح الاقتصادى الهادف لخلق فرص وظيفية جديدة كل منهما حصان يجر العربة فى اتجاه مختلف.

إحلال السعوديين فى الوظائف من جهة أخرى كأسرع وأقصر الطرق لمواجهة وخفض نسب البطالة تواجهه عدة عراقيل وعلى رأسها غياب السعوديين المؤهلين للعمل مقارنة بالأجانب؛فالسعودة تطمح بفرضها نسبا معينة لتوظيف السعوديين أن تفرض على الشركات الاضطلاع بمهمة التأهيل والتدريب الأساسية اللازمة للعمل التى كان من المفترض أن يقوم بها نظام التعليم،ولكن الدولة من جهة أخرى لم تراجع كامل المنظومة المرادفة لنجاح مثل هذا الطموح فجاءت حقوق الشركات منقوصة وهو ما سبب بالتالى نقصانا فى حقوق الموظفين.

فالمحصلة اليوم هى أن العديد من الشركات تتخوف من توظيف السعوديين نظرا للحقوق العديدة التى يمنحها النظام لهم ـ التى لا تمّكن هذه الشركات من فصل موظفيها بسهولة على سبيل المثال فى ظل تقاعسهم عن تعلم وظيفتهم بالشكل المطلوب.

من جهة أخرى تسبب هذا الأمر فى أن يقبل العديد من الشباب العمل تحت فترة الاختبار لمدد طويلة فى الشركات لأن هذا هو المخرج الوحيد للشركات لضمان حقوقها وهو ما يمثل انتقاصا من حقوق الموظف السعودى.

إن الوصل بين كل من الأمان الوظيفى للموظف والمرونة التى تحتاجها الشركات فيما يتعلق بالتوظيف هو جوهر المسألة وربما يكون المدخل لتفعيل برنامج السعودة بشكل حقيقى،هنا يمكن أن يبرز النظام الدنماركى المعروف باسم "الأمان المرن" (Flexcurity) وهو اشتقاق من المصطلح (Flexible -Security System) وهذا النظام الذى بدأ العمل به عام 1994 كان السبب الرئيس بحسب بعض التحليلات فى انخفاض نسبة البطالة فى الدنمارك من 9.6% عام 1993 إلى 6.2% فى 2004.

قانون هذا النظام الدنماركى لا يحدد حدا أدنى للأجور ولا ساعات عمل ولا يوجد به عقد عمل نموذجى حيث يتم التفاوض بين الموظف وصاحب العمل والوصول لشروط مرضية للطرفين.

وفى حالة الفصل لا يتعين على صاحب العمل دفع تعويض للموظف،فى المقابل يتيح النظام التأمين ضد البطالة (unemployment insurance) عن طريق شركات التأمين؛حيث يمكن للموظف أن يستلم 90% من راتبه بسقف أعلى لا يتجاوز حوالى 20 ألف يورو سنويا ولمدة قصوى بحدود 4 سنوات.

وبالنسبة للموظفين الذين لا يغطيهم التأمين تقوم الحكومة بتقديم مساعدة اجتماعية مشروطة بالبحث عن وظيفة،وهذا الشرط له آلية حيث إنه خلال الستة أشهر الأولى من عدم التوظيف يجبر الشخص على المشاركة في برنامج للبحث عن وظيفة ويتضمن هذا البرنامج تدريبا (Professional Training) أو حتى الإلتحاق بشركات أخرى كمتدرب (Internship)،ولكى يستفيد الأشخاص من منافع هذا النظام فإنه يشترط عليهم أن يكونوا قد عملوا لمدة 52 أسبوعا على الأقل فى الثلاث سنوات التى سبقت خروجهم من وظائفهم كما أن يكونوا قد ساهموا فى صندوق تأمين خاص بذلك،وفى حالة عدم توافر هذا الشرط يحصل الشخص على منافع أقل من المساعدة الاجتماعية وهو الأمر الذى يخلق روحا للسعى على العمل.

هذه الملامح العامة للنظام الدنماركى يمكن القول إنها لا تتطابق بالضرورة مع معطيات الواقع السعودى ولكنها تفتح فى المقابل آفاقا للتفكير حول نظامنا القائم اليوم ومدى ملاءمته للواقع ومدى نجاحته فى التوفيق بين حاجة السوق والشركات وهى التى يقع على عاتقها الجزء الأكبر وبين حاجة الدولة لخفض نسب البطالة المرتفعة،ومن ثم فنحن بحاجة للتوفيق بين الأمان الوظيفى الذى يطمح له الشاب وبين حاجة صاحب العمل للمرونة التى تتيح له الاستمرارية.

مهما يكن النظام الذى نملكه اليوم فإن الأهم هو ألا تتوقف عجلة التفكير والنقد الذاتى وحركة السعى للارتقاء بما نملك من أجل الصالح العام.

المصدر: جريدة "الوطن".

(عدد التعليقات : 0)

الاسم :
البريد الإلكترونى :
الدولة :
عنوان التعليق :
التعليق :